القاضي عبد الجبار الهمذاني

83

المغني في أبواب التوحيد والعدل

العقول ذلك فيه ، بل ربما أدّى الاجتهاد إلى أن المتقدّم منه بأن يكون لطفا أقرب ؛ كما قد نعلم أن القليل بأن يكون لطفا أقرب . فإن قال : إن العباد يخالف حالهم حال القديم تعالى ؛ لأن أحدهم قد يخشى الفوت إذا أخر اللطف ، ولأنه يفعل / اللطف على جهتين : اللطف ( ) « 1 » وليس ذلك حاله تعالى . قيل له : لو كان المتقدّم بأوقات لا يكون لطفا ، لكان خشية الفوت لا تغير حاله ، ولا الظنّ يغير حكمه ؛ لأنه لا يجوز استعمال الظنّ على وجه يعلم خلافه . فلما صح ما ذكرنا ، علم أن من حق اللطف أن يجوز تقدّمه بأوقات . فإن قال : إن العبد إذا ظنّ فيما يفعل أنه أقرب إلى العلم فعل بحسب ظنه ، ولا يقطع فيما يفعله بأنه لطف البتة ، وليس كذلك تعالى . قيل له : إنه لو كان مع العلم بأنه لطف لا يحسن تقدّمه بأوقات ؛ لكان مع علة الظنّ لا يحسن ذلك فيه ، لأن الظنّ يقوم مقام العلم عند تعذره في الأمور المتعلقة بالمنافع والمضارّ . يبين ذلك أن اللطف متى تقدّم قدرا عظيما لا يعتدّ به في الطاعة ، [ و ] لما لم يجز ذلك فيه مع العالم لم يجز في الشاهد مع علة الظنّ . فإن قال : إنه تعالى قادر في اللطف أن يوقعه قبل الطاعة بوقت واحد ، كما يقدر أن يوقعه قبلها بأوقات ، ولا غرض في فعله إلا كونه لطفا . وليس يخشى تعالى الفوت ؛ فيجب أن لا يحسن منه أن يقدّمه إلا بوقت واحد - وهذا كما قلتم في الأمر بالعمل : إنه تعالى لا يقدّم أكثر من الوقت الواحد إلا لغرض آخر ، فأما إذا لم يحصل هناك غرض لم يحسن تقدّمه ، وكما قلتم : إنه تعالى لا يجوز

--> ( 1 ) مطموس في الأصل .